الدروس
الخصوصية: نعمة ام نقمة؟
انتشرت الدروس الخصوصة بصورة كبيرة في الفترة
الاخيرة واصبحت كالوباء الذي يعتصر جيوب الاباء ليصبها في جيوب بعض من يسمون
انفسهم مربي اجيال.
هل الدروس الخصوصية ظاهرة ضارة ؟ من وجهة
نظري هي كغيرها من اشياء كثيرة ليست ضارة في حد ذاتها ولكن سوء استخدامها او
استخدامها بصورة مبالغ فيها هو ما يجعلها تظهر بصورة سيئة. قديما كانت الدروس
الخصوصية علي شكل مجموعات تقوية قاصرة علي ضعاف الطلاب بغرض تقويتهم ومساعدتهم علي
اللحاق برفاقهم وكان التلميذ يشعر بالخجل اذا علم زملاءه بانه يحضر مجموعات تقوية .وكانت
تلك المجموعات تؤتي ثمارها غالبا .أما الان فاصبحت الدروس الخصوصية مجالا مفتوحا
لجميع الطلاب سواء كان في حاجة اليها ام لا والاسوأ انها لم تفرق بين الضعيف
والمتفوق فتري الطالب المتفوق مع الطالب الضعيف في الدرس ولا يراعي المعلم ذلك في
طريقة شرحه التي تخاطب الطالب المتفوق فقط والذي يطغي علي الطالب الضعيف فيصبح
وجوده في الدرس مثل عدمه ولا يكلف المعلم نفسه بتفريقهم في مجموعتين ليسير مع كل
منهم بالسرعة التي تستوعبها عقولهم لان ذلك سيفوت عليه فرصة تكوين مجموعة اخري تدر
علي ارباحا ومن المثير للسخرية ان هذا المعلم قد يبرر سوء نتيجته في المدرسة بتكدس
الفصول بالتلاميذ بالرغم من انه قد تجد ان المجموعة الواحدة عنده قد يصل عددها
احيانا الي ضعف عدد تلاميذ الفصل في المدرسة ولكنه لا يشتكي لان كل زيادة في عدد المجموعة
يقابلها زيادة في الارباح التي تدخل جيبه . هناك بعض المعلمين الذين يختبرون
الطلاب قبل قبولهم فاذا فشلوا لم يقبلوهم وكأنهم لا يريدون ان يتعبوا انفسهم معهم
في حين ان هناك من سوف يحصلون منه علي نفس السعر ولكن بمجهود اقل. ألم يكن اولي
بهم ان يجعلوا الغرض من هذا الاختبار هو ان يكون اساس لتصنيف الطلاب في مجموعات
يعمل معها وفقا لمستواها ليحقق افضل النتائج ؟ ولكنه نسي الهدف الحقيقي من الدروس
واصبحت عنده سبوبة للحصول عي المال وفقط . والادهي من ذلك انني لاحظت عندنا ان البعض
ممن هم ليسوا معلمين ولا علاقة لهم بالتعليم يعطون دروس لتلاميذ الابتدائي علي
اعتبار يعني ان المنهج بتاعهم بسيط و مش محتاج
تخصص اوي واهو يساعدوا العيال ويساعدوا نفسهم وطبعا بتيجي علي دماغ المعلم
في المدرسة اللي بيلاقي( مواهب)طالعة من العيال دول .
وهناك صنف من المعلمين يجبرون تلاميذهم علي اخذ دروسا عندهم أويضطهدون من لا يأخذ
دروسا او من يأخذ دروسا عند اخرين وصنف
اخر يبخل علي تلاميذ الفصل بالشرح الجيد الوافي ويجزل العطاء لتلاميذ الدرس ليدفع
التلاميذ لاخذ درس عنده , وغيرها من اساليب الجذب.
ولكن من الانصاف ان نقول انه هناك بعض
المعلمين الذين يراعون الله في عملهم ويتخذوا من معلم البشرية سيدنا
"محمد"عليه السلام القدوة فجمعوا بين الاخلاق والضمير والتمكن من مادتهم
ومنهم من يعطي دروسا لا ليجمع المال ولكن
ليساعد طلابه في المقام الاول فيراعي ضميره في الفصل كما يراعي ضميره في الدرس و
يراعي الفروق بين الطالب الضعيف والطالب القوي فيتعامل مع كل بالصورة التي تفيده .
ما سبب انتشار هذه الظاهرة بهذا الشكل السيء؟
هل هو تدني الاحوال المادية للمعلم؟هناك من هم ادني منه ماديا ولكن لم يبيعوا
ضمائرهم وكان الاولي بالمعلم ان يحاول تحسين احواله بشكل ارقي كأن يساعد ضعاف الطلاب
وما اكثرهم وبهذا يكون افادهم وحسن من
مستواه المادي دون ان يفقد احترام المجتمع بل سيزيد من احترامه له . هل هم الاهل
الذين يجبرون المعلمين علي اعطاء دروسا لابناءهم حتي لو كانوا متفوقين ولا
يحتاجونها معتقدين ان هذا هو الطريق الوحيد ليصبحوا متفوقين أو اكثر تفوقا ويدخلون
احد كليات القمة ؟ هناك تلاميذ يرسبون بالرغم من انهم يأخذون دروسا بل قد يأخذ
بعضهم درسين في المادة الواحدة عند اثنين من المعلمين ولكن بلا فائدة فيومه يصبح
ذهاب من مدرسة الي درس ثم الي اخر فينقضي اليوم فلا يجد الوقت ليذاكر ما تعلمه .هل
السبب هو صعوبة المناهج وعدم كفاية وقت الدراسة؟ لوعلم الاهل والمعلمون الطالب ان
يفكر ولو قليلا ويستفيد من التكنولوجيا المتوفرة لديه بصورة صحيحة لتغلب علي هذا .
هل اصبحت الدروس موضة ؟ ليست كل موضة تناسبنا فعلينا ان ننتقي منها ما يناسبنا فقط
لا ان نقلد تقليد اعمي .وهل السبب ان التلميذ اصبح كسولا فلم يعد يفكر واراد الحل
السريع ؟و هل لان المجتمع اصبح يقدر كل فرد بما يملكه من مال (معاك قرش تسوي قرش) ؟
هل لان المجتمع لا يوفي المعلم حقه سواء ماديا او في احترامه وتقديره لمكانته؟ كان
اولي بالمعلم ان يحاول هو ان يدفع المجتمع الي هذا باحترمه لمهنته. كان اولي
بالمعلم ان يحاول تصحيح هذه الفكرة لتلاميذه ليصبح الجيل القادم افضل ولكنه لم
يحاول حتي تصحيحها لنفسه بل سلم بها بدون تفكير. وهل ؟ و هل؟ كثير من الاسباب التي ليس احدها بل جميعها تسبب في
الظاهرة والجريمة مشتركة بين المعلم وولي الامر والتلميذ ووزير التعليم أي المجتمع
كله و مع ذلك فكل منهم يلقي اللوم علي الاخر.
ومن المثير للسخرية انه بالرغم من الانتشار
الوبائي لهذه الظاهرة الا ان مستوي التلاميذ لم يتحسن بل لقد قل وزادت الفجوة بين الطالب المتفوق
والطالب الضعيف.ربما لان المعلم اتخذ من الدروس وسيلة لجمع المال فقط واعتقد الاهل
والأولاد ان الدروس تطعم اولادهم التفوق بدون ان يكلفون انفسهم عناء التفكير
والمذاكرة قليلا . وبالرغم من ان النتائج اثبتت فشل الدروس بهذا الشكل الا ان
التلاميذ لم يتوقفوا عن اخذها ولم يحاول الاهل ان يكلفوا انفسهم عناء البحث عن سبب
فشلها ولا حتي يعترفون بهذا الفشل فتجد اكثرهم يقول عبارات مثل " انا بخليه
ياخد درس علشان اخلص ضميري منه وميكونش ليه حجة"
لقد اصبحت الدروس تجارة يتنافس عليها
المعلمون فظهرت مراكز لاعطاء دروس خصوصية واصبحت الحجز ويا بخت اللي يلحق يحجز قبل
ما العدد يكتمل وخاصة لو كان صاحب المركز من كبار المعلمين واشهرهم وطبعا لم يخل
الامر من امور الواسطة.
هل لو كان أحمد شوقي عاش الي هذا الوقت هل
كان ليقول هذا البيت من الشعر
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا
لقد اساء المعلم الي نفسه عندما حول مهنته
السامية مهنة الانبياء الي وسيلة لجمع المال وفقط .
اقولها مرة ثانية ليس كل المعلمين بهذه
الصورة السيئة ولكن كثرة او مدي سوء افعال بعض المعلمين اساء للقلة المحترمة تماما
كما هو الحال مع الاطباء والمحامين ورجال الاعمال .........الخ
فكل الاحترم والتقدير لكل من احترم مهنته ولم
يحولها الي وسيلة فقط لجمع المال او الشهرة.