الأحد، 23 فبراير، 2014

أمل

"دكتور أحمد محتاجين حضرتك في الغرفة رقم ثلاثة." وجهت الممرضة هذه العبارة الي  ثم غادرت الغرفة سريعا. عندما اتجهت الي الغرفة المذكورة والتي كان بابها مفتوحا رأيت فتاة نائمة علي الفراش مغمضة العينين وكأنها نائمة او فاقدة الوعي يبدو من ملامحها انها لم تتعدي السادسة عشرأو السابعة عشر ليست جميلة وان لم تخل من جاذبية ما.  بجوار الفراش يقف رجلا اعتقد انه والدها كان يبدو علي وجهه قلقا مشوبا بالاحساس بالذنب والي جواره فتاة جميلة ان لم تكن رائعة الجمال يتراوح عمرها ما بين العشرين والثانية والعشربن علي الاكثر..وكان يبدو عليها قلقا ايضا بالاضافة الي شفقة واضحة في عينيها تجاه الفتاةالنائمة علي الفراش والتي اكتشفت انها كانت تتظاهر بالاغماء . لم ارد ان افضح امرالفتاة المتمارضة التي بدا علي وجهها الم وحزن عميق سيبرزهما عيناها اللتان لم تفتحهما بعد. بعد ان طمأنت والد الفتاة وشقيقتها  طلبت منهما ان ينتظرا بالخارج. اتجهت الي الفراش وخاطبت "المريضة" مغمضة العينين" كفي عن التظاهر لقد خرجا ولم يعد من داع لذلك كما انني لن انخدع بالرغم من اتقان تمثيلك للدور. اعلم انك قد فعلت ذلك لسبب وجيه فان لم تمانعي فلتطلعيني عليه لعلي بمشاركتك الحزن استطيع المساعدة في التخفيف منه .اعلم انك تفكرين:كيف أثق بشخص لم اره حتي؟. ولكني طبيب لا افشي اسرار مرضاي الشخصية. والدليل انني لم اخبر اسرتك انك سليمة و لكنك تتظاهين بالاغماء. واعلمي ان همومك التي تحاولين ان تهربي منها بالتظاهر بالمرض قد تهون اذاعلمت هموم الاخرين." فتحت الفتاة عينيها وابتسمت ناحيتي بامتنان تحول سريعا الي رجاء الا افضح سرها. علمت ان اسمها "أمل" وانها طالبة في الصف الثالث الثانوي للمرة الثانية بعد رسوبها العام الماضي .كانت مشكلتها كما فهمت  ان اسرتها تغدق عليها بكل شيء ماعدا العاطفة .لا احد من اسرتها يزعج نفسه ولو بكلمة ليظهر حبه لها بل الافظع ان الجميع- ما عدا شقيقتها التي تقف بالخارج- يجهرون بكرههم لها وخاصة انها ليست جميله وليست متفوقة دراسيا مثل اشقائها .وما يزيد من عذابها ان والديها ايضا لا يظهرون لها من الحب ما يظهرونه لأشقائها الاخرون المرات القليلة التي كانوا يظهرون لها فيها عاطفة ايجابية كانت تشعر انها صدقة منهم حتي والدتها لم تكن الي جانبها  عندما احتاجت اليها كما لم تكلف نفسها عناء المجيء معها الي هنا. كانت الكلمات تنساب من بين شفتي الفتاة مثقلة بمشاعر الحزن والالم واليأس والاكتئاب ولكن لم يكن من بينها بالرغم من ذلك اي مشاعر كره لاسرتها. هزتني كلماتها ووددت لو امكنني مساعدتها. حاولت  ان اخفف عنها واقنعها ان كل هذه مجرد اوهام فليس هناك احد يكره ابناءه وان اسرتها يحبونها والدليل علي ذلك ان والديها سمحوا لها بإتمام تعليمها ولكنها علقت علي هذه النقطة بأنها ليست متفوقة ولا تعتقد انها ستتمكن من الالتحاق بكلية مناسبة وسيضطر والدها لاخراجها . اخبرتني انها كانت متفوقة دراسيا ولكن مستواها بدأ يقل بالتدريج  فقلت لها ربما ان ذلك كان السبب في تغير موقف اهلها ناحيتها وان عليها ان تحاول استعادة مستواها الدراسي المتميز فردت ان العكس هو ما حدث وان تغير موقف اهلها منها هو ما اعاق تفوقها فطلبت منها ان تحاول هي التقرب لاسرتها ولكنها قالت انها حاولت بلا فائدة بالرغم من ان معلميها واصدقاءها في المدرسة يحبونها لطيبتها وادبها وهو ما هون عليها قليلا وان لم يسهم في التحففيف من معاناتها فهي تحتاج لحب اسرتها حتي وان لم يحبها الاخرون .اخبرتها انها بامكانها المغادرة مع والدها ولا تخشي فضح امرها وطلبت منها ان تحاول ان تركز في دراستها لعل ذلك يحسن من موقف اسرتها تجاهها.غادرت الغرفة وقد اختمرت في رأسي فكرة مجنونة. خاطبت والد الفتاة قائلا"كان مجرد اغماء من الاجهاد ويمكنكم اخذها معكم ولكني اود التحدث اليك قليلا يا سيدي."كانت  فترة اعلان نتيجة الثانوية العامة فترة نشاط في المستشفي فقد استقبلنا العديد من الطلاب- معظمهم فتيات- الذين حاولوا الانتحار بعد ان فشلوا في الحصول علي المجموع الذي يؤهلهم للالتحاق بالكلية التي يريدونها . كان قد مر اكثر من اربعة اشهر علي حادثة"أمل" ولكنني تذكرتها هذه الايام وكنت متوقع في اي لحظة ان اجدها بين الوافدين من الطالبات ولكن لم يحدث. ولكن حدث امر اخروان كان بعد ذلك بعدة شهور .كنت قد انهيت ورديتي بالمستشفي وأهم بالمغادرة عندما استوقفني صوت ذكوري قائلا"دكتور . هل يمكنني التحدث اليك قليلا؟" كان والد "أمل" ولكنني لم اتعجب فقد كنت منتظرا قدومه منذ اشهر وكنت اخشي المواجهه. قال لي "لا اعرف هل الومك أم الوم نفسي وان كانت الثانية لابد منها" ابتسمت اليه مستفسر فأكمل"عندما اخبرتني ذلك اليوم ان "أمل" لن تعيش اكثر من ستة اشهر وان علينا ان نحاول ان نجعلها سعيدة في اخر ايامها شعرت ان الله يعاقبني لسوء معاملتي لها وخاصة بعد ان ابتلاني فاخذ مني كل اولادي ولم يترك لي سواها وكان ذلك بعد معرفتي بالامر بشهرين.  .تغيرت معاملتي لها منذ ذلك اليوم. كانت ثمرة هذه المعاملة ان نجحت في الثانوية العامة بتفوق  بل وكانت من العشرة الاوائل علي الجمهورية" تذكرت انه كان هناك فعلا طالبة اسمها "أمل " من بين اوائل الجمهورية في الثانوية العامة وان لم يدر بخلدي ان تكون هذه ال"أمل" . اكمل الاب بفخر"التحقت" أمل"  بكلية الطب .نعم كلية الطب بعد ان كانت قد رسبت  من قبل." مسح دمعة سالت علي وجنته ثم استطرد" كنت ووالدتها قد نسينا امر موتها المنتظر فرحة بنجاحها الباهرولكن التحاقها بكلية الطب ذكرني  وان كنت قد تعجبت فقد مر اكثر من عام ومازالت"أمل حية ترزق لا بل لقد اصبحت اكثر حيوية واشراقا من ذي قبل" توقف لحظة ليسيطر علي مشاعره ثم نظر الي برجاء قائلا"اخبرني ايها الطبيب هل يمكن ان يحدث ذلك ؟ وهل مرور كل هذا الوت بالرغم من عدم تلقي علاج يعني ان الخطر زال؟ أم ان لديك تفسيرا اخر؟" حانت ساعة المواجهه .اعتدلت وحاولت ان استجمع شجاعتي ثم قلت " كانت "أمل" قد اخبرتني بمعاناتها فحاولت مساعدتها  فاخترعت هذه الكذبة لعلها تسهم في تخفيف المها وقد رأيت انها ان لم تفيدها فلن تضرها لانها لم تكن لتعلم بأمرها طبعا بفضل توصيتي لك الا تجعلها تشعر بشيء." قال لي" لقد كانت هذه الكذبة سببا في تفوقها واني ليس لي الا ان اشكرك علي محاولتك المساعدة بالرغم من انك لم تكم مجبرا. ولكن لي سؤال: لماذا فعلت ذلك وانت لا تعرفها ؟" تنهدت قائلا "اردت ان اعطيها شيئا من اسمها." نظرا الي مستفسرا فابتسمت قائلا" أمل."


هناك 3 تعليقات: